صديق الحسيني القنوجي البخاري

64

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ أي : سبق علمي فيهم أنهم سيكونون هكذا ، فلذلك لا تنفعهم أمثال هذه الآيات العظام . قال سيبويه : إن ( كان ) هنا صلة أي : زائدة . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ أي : الغالب القاهر لهؤلاء بالانتقام منهم ، مع كونه كثير الرحمة ، ولذلك أمهلهم ولم يعاجلهم بالعقوبة ، أو المعنى أنه منتقم من أعدائه رحيم بأوليائه . [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 10 إلى 19 ] وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 10 ) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَ لا يَتَّقُونَ ( 11 ) قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ( 12 ) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ ( 13 ) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ( 14 ) قالَ كَلاَّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ ( 15 ) فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 16 ) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ ( 17 ) قالَ أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ( 18 ) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 19 ) وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبلها من الإعراض والتكذيب والاستهزاء وشروع في قصص سبع : أولها : قصة موسى . والثانية : قصة إبراهيم . والثالثة : قصة نوح . والرابعة : قصة هود . والخامسة : قصة صالح . والسادسة : قصة لوط . والسابعة : قصة شعيب ، والتقدير : وأتل إذ نادى أو اذكر يا محمد والنداء الدعاء أي : نادى حين رأى الشجرة والنار وكان النداء بكلام سمعه من كل الجهات من غير واسطة . أَنِ مفسرة أو مصدرية ، أي : بأن ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ . وليس هذا مطلع ما ورد في حيز النداء ، وأنما هو ما فصل في سورة طه من قوله : إِنِّي أَنَا رَبُّكَ إلى قوله : لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى [ طه : 23 ] ، ووصفهم بالظلم لأنهم جمعوا بين الكفر الذي ظلموا به أنفسهم ، وبين المعاصي التي ظلموا بها غيرهم ، كاستعباد بني إسرائيل وذبح أبنائهم ، وكانوا في ذلك الوقت ستمائة ألف وثلاثين ألفا . قَوْمَ فِرْعَوْنَ يعين القبط ، عطف بيان . كأن معنى القوم الظالمين وترجمته قوم فرعون ، وكأنهما عبارتان تعتقبان على مؤدى واحد . أَ لا يَتَّقُونَ أي : ألا يخافون عقاب اللّه سبحانه ، فيصرفون عن أنفسهم عقوبته